lundi 22 juin 2026

هل نفعل الخير حقاً في السر؟ دوستويفسكي والخوف من "اللاجدوى"


 


تنتشر في أروقة الإنترنت مقولة عميقة ومؤلمة تُنسب للروائي الروسي العبقري فيودور دوستويفسكي، تقول: "أفعل الخير، لكن في داخلي رغبة خفية أن يُلاحظ ذلك. ليس لأني أريد الشكر، ولكن لأنني أخاف أن أكون بلا قيمة إن لم يرني أحد".

ورغم أن هذه العبارة المحددة قد لا توجد حرفياً في نصوص كتبه، إلا أنها تلتقط ببراعة فائقة جوهر الفلسفة الدوستويفسكية، وتحديداً ما عبر عنه في روايته الخالدة "رسائل من تحت الأرض". إنها مقولة تعري النفس البشرية، وتفضح سراً نخبئه جميعاً خلف أقنعة المثالية: نحن نرتعب من فكرة أن نكون بلا أثر.

مرآة الآخر: كيف نتأكد أننا أحياء؟

منذ طفولتنا، نُبرمج على أن فعل الخير يجب أن يكون خالصاً وفي الخفاء، وأن انتظار المقابل يُسقط عن الفعل قيمته. هذا كلام جميل ومثالي، لكن علم النفس والفلسفة الوجودية يخبراننا بقصة أخرى أكثر تعقيداً عن الطبيعة البشرية.

الإنسان كائن يبحث عن المعنى. وفي غياب اليقين، نستخدم عيون الآخرين كمرآة لنرى انعكاس وجودنا فيها. عندما نقوم بعمل نبيل ولا يلاحظه أحد، يتسرب إلينا قلق خفي؛ ليس لأننا لم نحصل على التصفيق، بل لأننا نتساءل في لا وعينا: "إذا مررتُ في هذه الحياة ولم يلحظني أحد، فهل أنا موجود حقاً؟".

نحن لا نبحث عن الشكر، بل نبحث عن "الاعتراف بالوجود". نظرة الآخر لنا هي الدليل المادي على أن لحياتنا وزناً، وأننا لسنا مجرد أرقام عابرة في سجلات الزمن.

صراع الوجود.. لا نرجسية سطحية

من السهل جداً أن نخلط بين هذه الحالة النفسية وبين "الغرور" أو "النرجسية"، لكن الفرق بينهما شاسع:

الشخص النرجسي: يفعل الخير ليُقال عنه عظيم، وليجمع أكبر قدر من المديح والمكاسب الاجتماعية.

القلق الوجودي: يفعل الخير وهو يكتفي بنظرة واحدة تخبره أنه "مهم". هو يرضى بأن لا يوقفه أحد في الشارع ليشكره، لكنه يحتاج إلى يقين داخلي بأن ما فعله قد ترك بصمة لا تُمحى.

إنه الخوف من "اللاجدوى".. الخوف من أن نكون مجرد هوامش في كتاب الحياة.

وهم النبل المطلق وصدق إنسانيتنا

في رواية "رسائل من تحت الأرض"، جرّد دوستويفسكي الإنسان من قناعه الملائكي. بطل الرواية يدرك أنه قد يدّعي النبل أو يحاول إنقاذ شخص آخر، لا حباً في الخير ذاته، بل ليمارس دور "المنقذ"، وليستعيد إحساسه بالأهمية والسيطرة.

فعل الخير أحياناً يتحول إلى صرخة إنقاذ نطلقها نحن، قبل أن تكون يد عون نمدها للآخر. إنها طريقتنا لنقول للعالم: "انظروا.. أنا هنا، وأنا أُحدث فرقاً".

خلاصة القول

إن الاعتراف بهذه الرغبة الخفية في أن نُلاحَظ لا يجعل منا أشخاصاً سيئين أو مزيفين؛ بل يجعلنا بشراً حقيقيين. المثالية المطلقة كذبة قاسية، والصدق مع النفس يتطلب شجاعة للاعتراف بأننا كائنات هشة، نحتاج إلى الآخر لكي نكتمل.

في المرة القادمة التي تفعل فيها خيراً وتجد في قلبك تلك الرغبة الخفية بأن يلاحظك أحد، لا تجلد ذاتك. ابتسم لهشاشتك الإنسانية، وتذكر أن هذا الضعف هو بالضبط ما يربطك ببقية البشر. نحن جميعاً نقف في العتمة، نضيء شموعاً صغيرة، ونأمل بشدة أن يرى أحدهم نورنا.

ماذا عنكم أيها القراء؟ هل راودكم يوماً هذا الشعور الخفي؟ شاركوني آراءكم في التعليقات.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire