samedi 20 juin 2026

عندما يرتدي العجز قناع الصرامة: تفكيك مقولة كارل كراوس في بيئات العمل الحية



يقول الكاتب والناقد النمساوي اللامع كارل كراوس في كتابه "الأخلاق والجريمة": 

"كلما كان المجتمع أكثر نفاقاً، كان أكثر قسوة في معاقبة الجرائم الصغيرة! لأنه يعوّض بها عن عجزه عن مواجهة الجرائم الكبيرة التي يرتكبها هو نفسه".

هذه الكلمات ليست مجرد فلسفة مكتوبة على ورق حبره قديم، بل هي تشريح دقيق لسيكولوجية المؤسسات والمجتمعات المنافقة. إنها تفسر كيف يتحول "العجز عن الإصلاح الحقيقي" إلى "استقواء كاسر على الحلقات الأضعف".

فما الذي يعنيه كراوس حقيقةً؟ وكيف يتجلى هذا النفاق في واقعنا الوظيفي والاجتماعي اليوم؟

أولاً: سيكولوجية "الستار الدخاني" والتعويض الوهمي

في أي مجتمع أو بيئة عمل يسودها الركود، أو ينخر فيها الفساد الهيكلي (وهي الجرائم الكبيرة بمفهوم كراوس)، يتولد لدى القائمين على الأمر شعور باطني بالذنب والعجز. وبما أن مواجهة الفساد الكبير أو علاج الركود الشامل يتطلب شجاعة قد لا يملكونها، أو يهدد مصالحهم؛ فإنهم يلجؤون إلى حيلة نفسية تسمى "الإزاحة".

يصنعون معارك وهمية، ويبحثون عن تفاصيل صغيرة تخص البسطاء أو الموظفين القدامى (مثل بضع دقائق تأخير، أو بضعة أيام غياب كانت مقبولة لسنوات). ينقضون على هذه "الجرائم الصغيرة" بقسوة مفرطة، لا لشيء، إلا ليثبتوا لأنفسهم وللآخرين أنهم "حماة النظام والفضيلة". إنها عملية غسيل سمعة إدارية على حساب الضعفاء.

ثانياً: فوبيا "الخبرة" واستهداف الأرشيف الحي

في بيئات العمل الراكدة، يبرز نوع خطير من النفاق عند تعيين "إدارة جديدة" لا تملك مشروعاً حقيقياً للتطوير. هنا، يتحول الموظف القديم وصاحب الخبرة الطويلة إلى مصدر تهديد.

الموظف الذي قضى عقوداً في المؤسسة يمثل "الأرشيف الحي"؛ هو يعرف كواليس المكان، ومطلع على الملفات، ويستطيع بعينه الخبيرة تمييز الإنجاز الحقيقي من الاستعراض الفارغ. وبدلاً من استثمار هذه الخبرة، تجد الإدارة المنافقة نفسها مدفوعة برغبة عارمة للتخلص منه وتطفيشه. وبما أن الفصل المباشر في الوظائف العمومية معقد، يتم اللجوء إلى "تضييق الخناق الروتيني" وصيد الأخطاء لتصدير صورة وهمية بأن هذا الموظف القديم هو سبب تعطل المسيرة!

ثالثاً: قسوة على الضعيف.. وانحناء أمام الحيتان

إن جوهر النفاق الإداري أو الاجتماعي يكمن في "انتقائية المحاسبة". تجد النظام يستنفر بكل أدواته الرقابية، والخصومات، والتحقيق، لأن موظفاً بسيطاً غاب يوماً لظرف قاهر، في حين تُغلق الأعين والآذان عن صفقات مشبوهة، أو إهدار للمال العام، أو مشاريع وهمية تلتهم الميزانيات دون أي إنتاجية.

العجز عن مواجهة "الحيتان الكبيرة" يولد طاقة غضب وإحباط، يتم تفريغها بالكامل على رأس "الموظف البسيط".

خاتمة: جدار القانون في وجه زوبعة الفنجان

إن التاريخ الإداري والاجتماعي يعلمنا أن "المعارك الوهمية" التي تصنعها الإدارات المنافقة لا تدوم طويلاً، لأنها مبنية على قش. عندما يعجز المدير عن تحقيق إنجاز حقيقي، ينكشف أمره عاجلاً أم آجلاً مهما حاول التغطية على ركوده بملء دفاتر الحضور والغياب.

والدرع الوحيد للمستهدفين في هذه المعارك هو "الالتزام الحرفي بالأنظمة، والهدوء التام". فالإدارة التي تبحث عن جنازة لتشبع فيها لطماً، ستصاب بالذهول حين تجد موظفاً متحصناً بالقانون، يواجه نفاقهم ببرود الواثق ونفس الخبير الطويل.

المجتمعات والمؤسسات الحقيقية تُقاس بقيمتها وإنجازاتها الكبرى، أما الانشغال بالصغائر فهو أولى علامات الإفلاس الأخلاقي والإداري.


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire