samedi 22 août 2026

التعود العصبي وتأثير كوليدج: لماذا تقل الاستجابة للمألوف؟

 

يُعدّ التعود أحد الظواهر الأساسية في عمل الجهاز العصبي، حيث تتغير استجابة الدماغ للمثيرات التي تتكرر باستمرار. فعندما يتعرض الإنسان أو الحيوان للمثير نفسه مرات عديدة، تقل درجة الانتباه والاستجابة له مقارنة بالمرحلة الأولى من التعرض. ويحدث ذلك لأن الدماغ مصمم على إعطاء أهمية أكبر للمعلومات الجديدة أو غير المتوقعة.



دور الجِدّة في تنشيط نظام المكافأة

يرتبط الشعور بالإثارة والاهتمام بنشاط مجموعة من الدوائر العصبية، من بينها نظام المكافأة في الدماغ. ويُعدّ الدوبامين أحد النواقل العصبية المرتبطة بهذا النظام، إذ يشارك في عمليات التوقع والتحفيز والشعور بالمكافأة.

عندما يظهر مثير جديد، يكون الدماغ في حالة بحث واستكشاف، فتزداد استجابة نظام المكافأة بسبب وجود عنصر المفاجأة وعدم التوقع. أما عندما يتكرر المثير نفسه، فإن الدماغ يتعرف عليه بسرعة أكبر، وتصبح الاستجابة العصبية أقل شدة بسبب عملية التكيف.

ظاهرة التعود وانخفاض الاستجابة

التعود لا يعني أن المثير يفقد صفاته، بل يعني أن الدماغ لم يعد يتعامل معه باعتباره جديدًا. فالإشارات التي كانت في البداية تثير قدرًا كبيرًا من الانتباه تصبح مع مرور الوقت مألوفة، مما يؤدي إلى انخفاض مستوى الاستجابة لها.

وتظهر هذه الظاهرة في مجالات متعددة من الحياة، إذ يتكيف الجهاز العصبي مع الأصوات المتكررة، والروائح المعتادة، والبيئات المألوفة، وكذلك بعض الأنماط السلوكية المتكررة.

تأثير كوليدج

يُطلق مصطلح "تأثير كوليدج" على ظاهرة سلوكية لوحظت في العديد من الثدييات، حيث تزداد الاستجابة الجنسية عند ظهور شريك جديد بعد فترة من التفاعل المتكرر مع الشريك نفسه.

يرتبط تفسير هذه الظاهرة بفكرة أن الجِدّة تؤدي إلى إعادة تنشيط نظام المكافأة، لأن المثير الجديد يقدم معلومات وتجربة لم يسبق للدماغ معالجتها بالطريقة نفسها. في المقابل، يؤدي التكرار المستمر إلى انخفاض تدريجي في مستوى الاستجابة بسبب الاعتياد.

الأساس البيولوجي للظاهرة

من الناحية التطورية، يُفسَّر ارتباط الجِدّة بزيادة الاستجابة باعتبارها آلية مرتبطة بسلوك الاستكشاف والتكيف. فالدماغ يعطي أولوية للمعلومات الجديدة لأنها قد تحمل تغييرات مهمة في البيئة المحيطة.

وتشير الدراسات السلوكية إلى أن هذه الظاهرة لا تقتصر على نوع واحد من الكائنات، بل ظهرت لدى أنواع مختلفة من الثدييات، مع اختلاف درجة تأثيرها من نوع إلى آخر.

حدود التفسير البيولوجي

رغم أن التعود وتأثير كوليدج يقدمان تفسيرًا لبعض التغيرات في الاستجابة العصبية والسلوكية، فإنهما يصفان جانبًا محددًا من عمل الدماغ. فالسلوك البشري يتأثر بمجموعة واسعة من العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية، ولا يمكن تفسيره بالكامل من خلال آلية عصبية واحدة.

خلاصة

يكشف التعود العصبي عن طبيعة مهمة في عمل الدماغ، وهي أن الاستجابة للمثيرات لا تبقى ثابتة، بل تتغير مع التكرار والألفة. أما تأثير كوليدج فيوضح العلاقة بين الجِدّة وتنشيط نظام المكافأة، مبرزًا الدور الذي تلعبه المفاجأة والتجديد في تشكيل بعض أنماط السلوك الحيواني والإنساني.

حين يصبح سؤال المعنى مرضًا: قراءة في موقف فرويد من الوعي الإنساني

هناك أسئلة لا تترك الإنسان كما كان قبل طرحها. ومن أكثر هذه الأسئلة عمقًا: ما معنى الحياة؟ وما قيمتها؟ ولماذا نحن هنا؟



بالنسبة لكثير من الفلاسفة، فإن ظهور هذه الأسئلة يمثل لحظة فارقة في حياة الإنسان؛ إنها لحظة انتقال من العيش التلقائي إلى الوعي بالذات والوجود. فالإنسان لا يكتفي بأن يعيش، بل يريد أن يفهم معنى وجوده.

لكن سيغموند فرويد نظر إلى الأمر من زاوية مختلفة تمامًا. ففي رسالة له إلى ماري بونابارت سنة 1937، اعتبر أن اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان بالتساؤل عن معنى الحياة وقيمتها قد تكون علامة على وجود مشكلة داخلية. فهو لم يرَ في هذا السؤال بالضرورة دليلًا على حكمة أو نضج، بل ربطه بوجود طاقة نفسية غير مشبعة، أو ما سماه "الليبيدو"، الذي قد يتحول إلى حزن واكتئاب.

هنا تظهر مفارقة عميقة:
ما يراه بعض الفلاسفة علامة على ارتفاع الوعي، قد يراه فرويد علامة على اضطراب في التوازن النفسي.

فرويد والإنسان الذي لا يسأل

في التصور الفرويدي، الإنسان السليم نفسيًا هو الإنسان القادر على التكيف مع الواقع، وإدارة رغباته وصراعاته الداخلية. لذلك فإن ظهور سؤال المعنى لا يُقرأ عنده كخطوة ضرورية نحو الحقيقة، بل كإشارة إلى أن شيئًا ما في الحياة النفسية لم يجد طريقه إلى الإشباع.

إن فرويد لا يسأل فقط: "هل سؤال المعنى صحيح؟" بل يسأل قبل ذلك: "لماذا ظهر هذا السؤال أصلًا؟ وما القوة النفسية التي دفعته إلى الظهور؟"

وهذه الطريقة في التفكير هي جوهر التحليل النفسي: البحث عن الأسباب الخفية وراء الأفكار والمشاعر.

هل الوعي يمكن أن يكون مرضًا؟

المفارقة التي يطرحها موقف فرويد هي أن الوعي نفسه قد يصبح مصدر معاناة. فالإنسان الذي يدرك موته، وحدوده، وغموض مصيره، يحمل عبئًا لا يحمله الكائن الذي يعيش فقط وفق الغريزة.

لكن هل يعني ذلك أن الوعي مرض؟

هنا تختلف الإجابات.

فالتيارات الوجودية، على سبيل المثال، ترى أن القلق الناتج عن مواجهة أسئلة الوجود ليس مرضًا، بل ثمن الوعي الإنساني. فالإنسان لا يصبح أكثر إنسانية إلا عندما يواجه أسئلته الكبرى، حتى لو كانت هذه المواجهة مؤلمة.

أما فرويد فيركز على الجانب النفسي: لماذا يعجز بعض الناس عن احتمال هذه الأسئلة؟ وما الصراعات الداخلية التي تجعلها تتحول إلى معاناة؟

بين فرويد والفلسفة

ربما لا يكون الاختلاف بين فرويد والفلاسفة اختلافًا حول وجود السؤال، بل حول تفسيره.

الفيلسوف قد يقول:
"لقد سأل الإنسان عن معنى الحياة لأنه أصبح واعيًا."

أما فرويد فقد يقول:
"لقد سأل الإنسان عن معنى الحياة لأن شيئًا في داخله يبحث عن حل."

الأول يرى في السؤال ارتقاءً، والثاني يرى فيه احتمال وجود جرح داخلي.

وقد يكون الإنسان قادرًا على أن يحمل المعنيين معًا: فربما يكون الوعي مصدر ألم، لكنه في الوقت نفسه ما يجعل الإنسان قادرًا على تجاوز العيش الغريزي نحو التفكير والتأمل.

خاتمة

قوة فرويد لا تكمن بالضرورة في أن كل تفسيراته صحيحة، بل في أنه أجبر الإنسان على طرح سؤال جديد: هل أفكاري نابعة دائمًا من عقلي الواعي، أم أن وراءها قوى نفسية لا أعرفها؟

وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه، يبقى سؤاله عميقًا: ربما لا يكفي أن نعرف ماذا نفكر، بل علينا أيضًا أن نسأل: لماذا نفكر بهذه الطريقة؟

وهنا تبدأ رحلة فهم الإنسان لنفسه.

dimanche 16 août 2026

لماذا نعاني عندما نريد أن يكون العالم كما نريده؟

 

ثمة فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها تمس جانبًا عميقًا من حياتنا النفسية: كثير من معاناتنا لا يأتي فقط مما يحدث لنا، بل من رفضنا أن يحدث ما حدث، وإصرارنا على أن يكون الواقع مختلفًا عما هو عليه.

نريد أن يتصرف الآخرون كما نتوقع. نريد أن تسير الأحداث وفق خططنا. نريد أن تأتي النتائج متوافقة مع جهودنا. نريد أن يفهمنا الناس بالطريقة التي نرى بها أنفسنا. وحين لا يحدث ذلك، تبدأ المقاومة الداخلية.

فنقول:

لماذا فعل هذا؟

لماذا لم تسر الأمور كما أردت؟

كان يجب أن يفهمني.

كان ينبغي أن تكون حياتي مختلفة.

وهكذا لا نعيش الحدث وحده، بل نعيش أيضًا الصراع بين ما حدث فعلًا وما كنا نعتقد أنه يجب أن يحد


.

الواقع لا يوقّع عقدًا معنا

منذ طفولتنا، نبني تدريجيًا صورة ذهنية عن العالم.

إذا اجتهدت فسوف أنجح.

إذا أحببت شخصًا فسيبادلني الحب.

إذا كنت طيبًا فسيعاملني الناس بطيبة.

إذا خططت جيدًا فسوف تسير الأمور كما توقعت.

هذه الأفكار ليست خاطئة بالضرورة، لكنها تتحول إلى مشكلة عندما تصبح قوانين داخلية صارمة نتوقع من الواقع أن يطيعها.

فالواقع أكثر تعقيدًا من ذلك.

قد تجتهد ولا تصل إلى النتيجة التي تريدها.

وقد تحب شخصًا لا يستطيع أن يحبك بالطريقة نفسها.

وقد تحسن إلى إنسان فيسيء إليك.

وقد تضع أدق الخطط ثم يحدث أمر لم يكن في الحسبان.

المشكلة هنا ليست في أن لدينا رغبات وآمالًا. فلا يمكن للإنسان أن يعيش بلا رغبة أو تخطيط أو توقع.

المشكلة تبدأ عندما تتحول الرغبة من:

«أتمنى أن يحدث هذا»

إلى:

«يجب أن يحدث هذا، وإلا فلن أستطيع تقبله».

عندها يصبح الفرق بين الرغبة والواقع مصدرًا دائمًا للصراع.

التوقعات: المستقبل الذي نعيشه قبل أن يصل

للتوقعات قدرة غريبة على صنع مشاعر حقيقية تجاه أحداث لم تقع بعد.

نتخيل مستقبلًا معينًا، ثم نتعلق به نفسيًا كأنه أصبح حقًا مكتسبًا.

نتوقع أن تستمر علاقة.

نتوقع ترقية.

نتوقع اعتذارًا.

نتوقع نجاح مشروع.

نتوقع أن يتغير شخص نحبه.

ثم يأتي الواقع بصورة أخرى.

والمفارقة أننا أحيانًا لا نحزن فقط على ما فقدناه، بل نحزن على مستقبل تخيلناه ولم يوجد أصلًا إلا في أذهاننا.

لقد عشنا ذلك المستقبل نفسيًا قبل وقوعه، وربطنا به سعادتنا، ولذلك يبدو انهياره شبيهًا بفقدان شيء حقيقي.

ومن هنا تصبح بعض الخيبات مؤلمة بصورة لا تتناسب ظاهريًا مع الحدث نفسه.

فالذي انهار لم يكن حدثًا فقط، بل قصة كاملة كتبناها في أذهاننا.

لماذا نريد تغيير الآخرين؟

هناك شكل آخر من أشكال المقاومة يكاد يكون حاضرًا في كل العلاقات الإنسانية: رغبتنا في إعادة تشكيل الآخرين.

نريد من الشريك أن يفكر بطريقة معينة.

ومن الصديق أن يتصرف كما نتصرف نحن.

ومن الأبناء أن يختاروا الطريق الذي نراه أفضل.

ومن الآخرين أن يفهموا قيمنا وحساسيتنا ونظرتنا إلى الحياة.

وفي كثير من الأحيان لا نقول لأنفسنا صراحة: «أريد أن أجعله نسخة مني».

لكننا نفعل شيئًا قريبًا من ذلك.

نضع في أذهاننا صورة لما ينبغي أن يكون عليه الآخر، ثم نقارن باستمرار بين الشخص الحقيقي وتلك الصورة.

وكلما اتسعت المسافة بين الاثنين، ازداد الإحباط.

وهنا يظهر سؤال مزعج:

هل نحن نحب الإنسان كما هو، أم نحب النسخة التي نأمل أن يصبح عليها؟

لا يعني هذا أن نقبل كل سلوك، أو أن نتخلى عن حدودنا وقيمنا. فمن حق الإنسان أن يرفض الإساءة، وأن يبتعد عن علاقة مؤذية، وأن يطالب الآخرين بتحمل مسؤولية أفعالهم.

لكن هناك فرقًا كبيرًا بين وضع حدود للآخر وبين محاولة إعادة بناء شخصيته وفق رغبتنا.

الأول حماية للنفس.

أما الثاني فقد يتحول إلى حرب طويلة مع طبيعة إنسان لا نملك السيطرة عليها.

بين الألم والمعاناة

لا بد هنا من توضيح أمر مهم.

ليس كل ما نعانيه نتيجة أفكارنا أو توقعاتنا.

هناك ألم حقيقي لا يمكن اختزاله في طريقة التفكير: المرض، والفقد، والفقر، والظلم، والخيانة، والوحدة، والحروب، والانكسارات الكبرى.

ومن السذاجة أن نقول لإنسان يمر بمحنة حقيقية إن مشكلته الوحيدة هي أنه «لا يتقبل الواقع».

الألم جزء من الحياة، وبعضه لا يمكن تجنبه.

لكن الإنسان يستطيع أحيانًا أن يضيف إلى الألم الأصلي طبقة ثانية من المعاناة.

يمرض، ثم يقول:

«لماذا أنا بالذات؟ لا ينبغي أن يحدث لي هذا.»

تنتهي علاقة، فيقول:

«لا يمكن أن أعيش إذا لم تعد.»

يفشل مشروع، فيقول:

«لقد انتهيت. هذا يثبت أنني فاشل.»

هنا يصبح لدينا حدث مؤلم، ثم تفسير ومقاومة وخوف وتوقعات تضاعف أثره.

قد لا نستطيع دائمًا منع الألم الأول، لكننا نستطيع أحيانًا أن نخفف ما نبنيه فوقه.

هل القبول يعني الاستسلام؟

كلمة «القبول» تُفهم أحيانًا بطريقة خاطئة.

قد يبدو القبول وكأنه استسلام أو ضعف أو دعوة إلى تحمل كل شيء بصمت.

لكن القبول النفسي لا يعني أن تقول:

«كل ما يحدث جيد.»

بل يعني ببساطة:

«هذا هو ما يحدث الآن، سواء أحببته أم لم أحبه.»

وهذه نقطة مختلفة تمامًا.

يمكنني أن أقبل حقيقة أنني فقدت عملي، وفي الوقت نفسه أبحث عن عمل جديد.

يمكنني أن أقبل أن شخصًا لا يحبني، وفي الوقت نفسه أقرر الابتعاد عنه.

يمكنني أن أقبل وجود ظلم، وفي الوقت نفسه أقاومه.

فالقبول يتعلق برؤية الواقع كما هو قبل اتخاذ القرار بشأنه.

أما الإنكار فيجعلنا نحارب حقيقة أصبحت موجودة بالفعل.

ولا يمكن تغيير الواقع إلا بعد رؤيته.

أكبر وهم: السيطرة

لعل أحد أكثر الأوهام إغراءً في حياتنا هو الاعتقاد بأننا نستطيع التحكم في عدد من الأشياء أكبر بكثير مما نستطيع فعلًا.

نستطيع أن نختار أفعالنا، لكننا لا نضمن نتائجها.

نستطيع أن نعبر عن مشاعرنا، لكننا لا نحدد استجابة الآخرين.

نستطيع أن نخطط للمستقبل، لكننا لا نملكه.

نستطيع أن نقدم أفضل ما لدينا، لكننا لا نستطيع إجبار الحياة على مكافأتنا بالطريقة التي نتوقعها.

وربما يكون النضج النفسي مرتبطًا إلى حد بعيد بمعرفة هذا الحد الفاصل:

ما الذي يقع تحت سيطرتي، وما الذي لا يقع تحتها؟

كلما حاول الإنسان السيطرة على ما لا يمكن السيطرة عليه، استنزف نفسه.

وكلما تخلى عن مسؤوليته تجاه ما يستطيع تغييره، أصبح القبول مجرد ذريعة للهرب.

الحكمة ليست في السيطرة على كل شيء، ولا في ترك كل شيء.

بل في معرفة الفرق.

نحن لا نرى العالم فقط… بل نضيف إليه قصتنا

الحدث الخارجي قد يكون واحدًا، لكن البشر لا يعيشونه بالطريقة نفسها.

كلمة نقد قد يراها شخص فرصة للتعلم، ويراها آخر إهانة، ويراها ثالث دليلًا على أنه غير محبوب.

الفعل واحد، لكن المعنى مختلف.

وهذا يكشف شيئًا مهمًا: نحن لا نتعامل فقط مع ما يحدث، بل مع القصة التي نرويها لأنفسنا عما يحدث.

قد يتأخر شخص في الرد على رسالة.

الواقعة بسيطة: لم يرد بعد.

لكن العقل يبدأ في الكتابة:

«إنه يتجاهلني.»

«لقد تغير.»

«ربما قلت شيئًا أغضبه.»

«لم أعد مهمًا بالنسبة إليه.»

وفي دقائق قليلة يتحول غياب الرد إلى رواية كاملة، ثم نتألم بسبب الرواية وكأنها حقيقة مؤكدة.

لذلك قد يكون من المفيد أحيانًا أن نسأل أنفسنا:

ما الذي أعرفه فعلًا، وما الذي أضفته أنا إلى الحدث؟

هذا السؤال وحده قد يفصل بين الواقع وبين التفسير الذي صنعناه له.

الحياة بين الرغبة والقبول

لا يمكننا أن نتخلص من الرغبة، وربما لا ينبغي لنا ذلك.

الرغبة تدفعنا إلى التعلم والحب والبناء والتغيير.

ومن دونها قد تصبح الحياة بلا اتجاه.

لكن ربما نحتاج إلى نوع مختلف من الرغبة:

أن نريد الأشياء دون أن نجعل وجودنا متوقفًا عليها.

أن نخطط دون أن نعتقد أن المستقبل مدين لنا بتنفيذ خطتنا.

أن نحب دون أن نعتقد أننا نملك الآخر.

أن نحاول تغيير ما نستطيع، دون أن نحول كل ما لا نستطيع تغييره إلى عدو.

أن يكون لدينا أمل، ولكن ليس عقدًا سريًا مع الحياة.

في النهاية

ربما لا تأتي معاناتنا دائمًا من أن العالم سيئ أو من أن الآخرين خذلونا، بل أحيانًا من المسافة بين العالم كما هو والعالم كما قررنا أنه ينبغي أن يكون.

نحن نحتاج إلى الأحلام، لكننا نحتاج أيضًا إلى المرونة حين لا تتحقق.

نحتاج إلى التوقع، لكن دون أن يصبح التوقع يقينًا.

نحتاج إلى محاولة التأثير في الآخرين، لكن دون وهم امتلاكهم.

ونحتاج، قبل كل شيء، إلى التمييز بين القبول والاستسلام.

فالقبول لا يعني أن نتوقف عن تغيير حياتنا.

بل قد يعني العكس تمامًا:

أن نتوقف عن إهدار طاقتنا في مقاومة حقيقة موجودة بالفعل، لكي نستخدم هذه الطاقة في السؤال الأهم:

الآن بعد أن أصبح الواقع هكذا… ماذا أستطيع أن أفعل؟

ولعل قدرًا كبيرًا من السلام يبدأ من هذه اللحظة: حين نتخلى عن مطالبة الحياة بأن تكون كما تخيلناها، ونبدأ في التعامل معها كما هي.

jeudi 13 août 2026

هل الواقع هلوسة مسيطر عليها؟ بين العبارة المثيرة والدقة العلمية

 «الواقع هلوسة مسيطر عليها». هي عبارة ترتبط خصوصًا بعالم الأعصاب البريطاني أنيل سيث، وتُستخدم لتبسيط بعض الأفكار الحديثة حول كيفية عمل الدماغ والإدراك.

لكن هذه العبارة، على جاذبيتها، يمكن أن تؤدي إلى سوء فهم كبير. فهل يعني ذلك أن العالم الذي نراه غير موجود؟ وهل الشجرة والحجر والإنسان مجرد هلوسات داخل أدمغتنا؟ أم أن المقصود شيء آخر؟

لفهم المسألة ينبغي أولًا التمييز بين الواقع نفسه وبين إدراكنا للواقع


.

الواقع ليس هلوسة

عندما نقول في اللغة العادية إن شخصًا «يهلوس»، فنحن نعني أنه يرى أو يسمع شيئًا لا يوجد له موضوع خارجي مطابق. فقد يسمع شخص صوتًا بينما لا يوجد أحد يتكلم، أو يرى شيئًا غير موجود أمامه.

بهذا المعنى، من غير الدقيق أن نقول إن رؤيتنا العادية للعالم هلوسة.

عندما أنظر إلى شجرة أمام منزلي، فهناك بالفعل شيء خارجي يؤثر في حواسي. الضوء المنعكس عن الشجرة يصل إلى عيني، وتتحول هذه المؤثرات إلى إشارات عصبية يعالجها الدماغ. وجود الشجرة ليس اختراعًا ذهنيًا لمجرد أن الدماغ يشارك في عملية رؤيتها.

إذن العالم الخارجي موجود، والإدراك الطبيعي مرتبط بهذا العالم ومقيَّد به.

ولكننا لا نستقبل العالم بصورة جاهزة

هنا تبدأ الفكرة المهمة التي يريد علماء الأعصاب التعبير عنها.

العين ليست نافذة يدخل منها العالم إلى الدماغ كما هو. ما يصل إلى العين هو ضوء، وما ينتقل عبر الأعصاب هو نشاط كهربائي وكيميائي. ثم يقوم الجهاز العصبي بمعالجة هذه المعلومات بطريقة شديدة التعقيد، حتى تتكون لدينا تجربة واعية لعالم مليء بالأشكال والألوان والحركة والعمق.

فعندما ترى تفاحة حمراء، لا تدخل «التفاحة» إلى رأسك، ولا ترسل العين إلى الدماغ رسالة مكتوبًا عليها: «هذه تفاحة حمراء».

بل تصل مجموعة من المؤثرات الفيزيائية، ثم يعالجها الدماغ ويستفيد من الخبرة والذاكرة والسياق حتى تتكون لديك خبرة واضحة: هذه تفاحة.

ومن هنا يمكن القول إن الإدراك ليس مجرد استقبال سلبي للمعلومات، بل هو عملية بناء ومعالجة وتفسير.

أين يأتي دور التوقع؟

يستعمل الدماغ باستمرار معلومات سابقة لكي يفهم المعلومات الجديدة بسرعة.

لو رأيت شكلًا طويلًا ملتويًا في أرض مظلمة، فقد يخطر لك أنه ثعبان. ليس لأن الدماغ خلق ثعبانًا حقيقيًا أمامك، بل لأن المعلومات البصرية المتاحة في تلك اللحظة غير كافية، فيستعين الدماغ باحتمالات مستمدة من الخبرة والسياق.

وعندما يزداد الضوء وتقترب من الشيء، ترى أنه حبل.

في هذه الحالة كان الحبل موجودًا منذ البداية. الذي تغير لم يكن الواقع، وإنما كمية المعلومات المتاحة لك ومدى صحة تفسيرك لها.

ولهذا يجب الحذر من القول إن الإنسان لا يرى إلا «تخمينات دماغه». فالدماغ قد يتوقع، نعم، لكن هذه التوقعات تخضع باستمرار لاختبار المعلومات القادمة من الحواس.

الحبل حبل فعلًا، مع أنه مكوّن من ذرات

قد يقول شخص: «لكن عندما أرى الحبل فأنا أراه على حقيقته، إنه حبل بالفعل.»

وهذا صحيح.

كون الإدراك عملية عصبية لا يعني أن كل ما ندركه وهم.

كما أن قولنا «هذا حبل» لا يتعارض مع قول الفيزيائي إن الحبل مكوّن من جزيئات وذرات. فهما وصفان للشيء نفسه على مستويين مختلفين.

يمكن أن نقول:

هذا حبل.

ويمكن أن نقول:

هذا جسم مكوّن من مواد ذات تركيب جزيئي وذري معين.

ولا يلغي أحد الوصفين الآخر.

وكذلك عندما نصف شيئًا بأنه «شجرة»، فنحن لا نقع في وهم لمجرد أننا لا ندرك في اللحظة نفسها كل خلية وجزيء وذرة موجودة فيها.

المعرفة لا تقتضي أن ندرك جميع مستويات الشيء في آن واحد.

فلماذا استُعملت كلمة «هلوسة»؟

هنا تكمن المشكلة الأساسية في العبارة.

عندما يصف أنيل سيث الإدراك بأنه نوع من «الهلوسة المسيطر عليها»، فهو يستخدم كلمة «هلوسة» بمعنى واسع ومجازي، لكي يؤكد أن التجربة الواعية لا تأتي جاهزة من الخارج، بل يساهم الدماغ في تكوينها.

أما كلمة «مسيطر عليها» فالمقصود بها أن هذه العملية ليست حرة أو اعتباطية، لأن المعلومات الحسية القادمة من العالم تقيّد ما يستطيع الدماغ أن يبنيه.

لكن إذا استخدمنا كلمة «هلوسة» بمعناها الشائع، تصبح العبارة مضللة.

فالفرق بين الإدراك الطبيعي والهلوسة الحقيقية فرق أساسي:

في الإدراك الطبيعي، يوجد عادة موضوع خارجي يؤثر في الحواس، ويعمل الدماغ على إدراكه.

أما في الهلوسة، فتظهر خبرة إدراكية دون وجود المؤثر الخارجي المناسب الذي يفسرها.

لذلك لا ينبغي أن نمحو الفرق بين الحالتين لمجرد أن الدماغ يؤدي دورًا في كلتيهما.

هل اللون موجود في العالم أم في الدماغ؟

هنا تصبح المسألة أكثر إثارة.

عندما نقول إن التفاحة حمراء، يوجد في العالم الخارجي سطح له خصائص فيزيائية معينة تجعله يعكس أطوالًا موجية من الضوء بطريقة معينة. لكن الإحساس الواعي بالأحمر هو تجربة تحدث في جهازنا العصبي.

وهذا لا يعني أن اللون «وهم» بالمعنى البسيط للكلمة.

إنه نتيجة علاقة بين خصائص الأشياء والضوء والجهاز البصري والدماغ.

وبالمثل، فإن الصوت الذي نسمعه يرتبط بتغيرات وضغوط في الوسط الفيزيائي، لكن التجربة التي نسميها «صوتًا» تتكون لدى الكائن الذي يمتلك جهازًا سمعيًا قادرًا على تحويل تلك التغيرات إلى تجربة واعية.

إذن إدراكنا للعالم ليس نسخة فوتوغرافية بسيطة منه، ولكنه أيضًا ليس خيالًا منفصلًا عنه.

بين الواقعية والوهم

المشكلة في العبارات المثيرة مثل «الواقع هلوسة» أنها تدفعنا بسهولة إلى أحد تطرفين.

الأول هو الاعتقاد بأننا ندرك العالم كما هو بصورة مباشرة وكاملة، وأن الدماغ مجرد جهاز تسجيل.

والثاني هو الاعتقاد بأن كل شيء وهم وأننا سجناء داخل عالم اخترعته أدمغتنا.

والأقرب إلى ما نعرفه علميًا يقع بين الاثنين.

هناك عالم خارجي مستقل عنا، لكنه يصل إلينا بواسطة أجهزة حسية وعصبية لها طبيعة وحدود معينة.

نحن لا نمتلك اطلاعًا مباشرًا على كل تفاصيل الواقع، لكن هذا لا يعني أننا منفصلون عنه.

الحواس نفسها نشأت وتعمل لأنها تستطيع التقاط جوانب حقيقية من البيئة المحيطة بنا. فإذا كان الإنسان عاجزًا تمامًا عن التمييز بين الصخرة والفراغ، أو بين الطعام والسم، أو بين الحيوان المفترس والشجرة، لما استطاع البقاء أصلًا.

الصياغة الأدق

بدل العبارة:

«الواقع هلوسة مسيطر عليها.»

يمكن استعمال صياغة أقل إثارة وأكثر دقة:

إدراكنا للواقع تمثيل يبنيه الدماغ اعتمادًا على المعلومات التي يتلقاها من عالم خارجي حقيقي.

أو بصورة أبسط:

نحن لا نخترع الواقع، لكن أدمغتنا هي التي تحوّل إشاراته إلى التجربة التي نعيشها.

بهذا نحافظ على الاكتشاف المهم الذي جاءت به علوم الأعصاب، وهو أن الإدراك عملية نشطة ومعقدة، دون أن نستنتج من ذلك أن العالم وهم أو أن الأشياء الموجودة حولنا مجرد هلوسات.

خلاصة

القول إن «الواقع هلوسة مسيطر عليها» مفيد ربما كعبارة صادمة تجذب الانتباه، لكنه يحتاج إلى تفسير حتى لا يتحول إلى ادعاء فلسفي أكبر مما تسمح به الأدلة العلمية.

الواقع ليس هلوسة.

هناك عالم خارجي يؤثر في حواسنا، ونحن جزء منه.

لكن ما نراه ونسمعه ونشعر به يمر عبر جهاز عصبي لا ينسخ العالم نسخًا آليًا، وإنما يعالج المعلومات ويجمعها ويقارنها بالخبرة السابقة ويكوّن منها تجربتنا الواعية.

والتمييز بين الأمرين ضروري:

الشيء الموجود في الخارج شيء، وتجربتنا الواعية لذلك الشيء شيء آخر مرتبط به.

ولعل هذه الصياغة أقل إثارة من عبارة «الهلوسة المسيطر عليها»، لكنها أقرب إلى الدقة: نحن لا نعيش داخل هلوسة، بل ندرك عالمًا حقيقيًا من خلال دماغ بشري له طريقته الخاصة في تمثيله.