ثمة فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها تمس جانبًا عميقًا من حياتنا النفسية: كثير من معاناتنا لا يأتي فقط مما يحدث لنا، بل من رفضنا أن يحدث ما حدث، وإصرارنا على أن يكون الواقع مختلفًا عما هو عليه.
نريد أن يتصرف الآخرون كما نتوقع. نريد أن تسير الأحداث وفق خططنا. نريد أن تأتي النتائج متوافقة مع جهودنا. نريد أن يفهمنا الناس بالطريقة التي نرى بها أنفسنا. وحين لا يحدث ذلك، تبدأ المقاومة الداخلية.
فنقول:
لماذا فعل هذا؟
لماذا لم تسر الأمور كما أردت؟
كان يجب أن يفهمني.
كان ينبغي أن تكون حياتي مختلفة.
وهكذا لا نعيش الحدث وحده، بل نعيش أيضًا الصراع بين ما حدث فعلًا وما كنا نعتقد أنه يجب أن يحد
.
الواقع لا يوقّع عقدًا معنا
منذ طفولتنا، نبني تدريجيًا صورة ذهنية عن العالم.
إذا اجتهدت فسوف أنجح.
إذا أحببت شخصًا فسيبادلني الحب.
إذا كنت طيبًا فسيعاملني الناس بطيبة.
إذا خططت جيدًا فسوف تسير الأمور كما توقعت.
هذه الأفكار ليست خاطئة بالضرورة، لكنها تتحول إلى مشكلة عندما تصبح قوانين داخلية صارمة نتوقع من الواقع أن يطيعها.
فالواقع أكثر تعقيدًا من ذلك.
قد تجتهد ولا تصل إلى النتيجة التي تريدها.
وقد تحب شخصًا لا يستطيع أن يحبك بالطريقة نفسها.
وقد تحسن إلى إنسان فيسيء إليك.
وقد تضع أدق الخطط ثم يحدث أمر لم يكن في الحسبان.
المشكلة هنا ليست في أن لدينا رغبات وآمالًا. فلا يمكن للإنسان أن يعيش بلا رغبة أو تخطيط أو توقع.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الرغبة من:
«أتمنى أن يحدث هذا»
إلى:
«يجب أن يحدث هذا، وإلا فلن أستطيع تقبله».
عندها يصبح الفرق بين الرغبة والواقع مصدرًا دائمًا للصراع.
التوقعات: المستقبل الذي نعيشه قبل أن يصل
للتوقعات قدرة غريبة على صنع مشاعر حقيقية تجاه أحداث لم تقع بعد.
نتخيل مستقبلًا معينًا، ثم نتعلق به نفسيًا كأنه أصبح حقًا مكتسبًا.
نتوقع أن تستمر علاقة.
نتوقع ترقية.
نتوقع اعتذارًا.
نتوقع نجاح مشروع.
نتوقع أن يتغير شخص نحبه.
ثم يأتي الواقع بصورة أخرى.
والمفارقة أننا أحيانًا لا نحزن فقط على ما فقدناه، بل نحزن على مستقبل تخيلناه ولم يوجد أصلًا إلا في أذهاننا.
لقد عشنا ذلك المستقبل نفسيًا قبل وقوعه، وربطنا به سعادتنا، ولذلك يبدو انهياره شبيهًا بفقدان شيء حقيقي.
ومن هنا تصبح بعض الخيبات مؤلمة بصورة لا تتناسب ظاهريًا مع الحدث نفسه.
فالذي انهار لم يكن حدثًا فقط، بل قصة كاملة كتبناها في أذهاننا.
لماذا نريد تغيير الآخرين؟
هناك شكل آخر من أشكال المقاومة يكاد يكون حاضرًا في كل العلاقات الإنسانية: رغبتنا في إعادة تشكيل الآخرين.
نريد من الشريك أن يفكر بطريقة معينة.
ومن الصديق أن يتصرف كما نتصرف نحن.
ومن الأبناء أن يختاروا الطريق الذي نراه أفضل.
ومن الآخرين أن يفهموا قيمنا وحساسيتنا ونظرتنا إلى الحياة.
وفي كثير من الأحيان لا نقول لأنفسنا صراحة: «أريد أن أجعله نسخة مني».
لكننا نفعل شيئًا قريبًا من ذلك.
نضع في أذهاننا صورة لما ينبغي أن يكون عليه الآخر، ثم نقارن باستمرار بين الشخص الحقيقي وتلك الصورة.
وكلما اتسعت المسافة بين الاثنين، ازداد الإحباط.
وهنا يظهر سؤال مزعج:
هل نحن نحب الإنسان كما هو، أم نحب النسخة التي نأمل أن يصبح عليها؟
لا يعني هذا أن نقبل كل سلوك، أو أن نتخلى عن حدودنا وقيمنا. فمن حق الإنسان أن يرفض الإساءة، وأن يبتعد عن علاقة مؤذية، وأن يطالب الآخرين بتحمل مسؤولية أفعالهم.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين وضع حدود للآخر وبين محاولة إعادة بناء شخصيته وفق رغبتنا.
الأول حماية للنفس.
أما الثاني فقد يتحول إلى حرب طويلة مع طبيعة إنسان لا نملك السيطرة عليها.
بين الألم والمعاناة
لا بد هنا من توضيح أمر مهم.
ليس كل ما نعانيه نتيجة أفكارنا أو توقعاتنا.
هناك ألم حقيقي لا يمكن اختزاله في طريقة التفكير: المرض، والفقد، والفقر، والظلم، والخيانة، والوحدة، والحروب، والانكسارات الكبرى.
ومن السذاجة أن نقول لإنسان يمر بمحنة حقيقية إن مشكلته الوحيدة هي أنه «لا يتقبل الواقع».
الألم جزء من الحياة، وبعضه لا يمكن تجنبه.
لكن الإنسان يستطيع أحيانًا أن يضيف إلى الألم الأصلي طبقة ثانية من المعاناة.
يمرض، ثم يقول:
«لماذا أنا بالذات؟ لا ينبغي أن يحدث لي هذا.»
تنتهي علاقة، فيقول:
«لا يمكن أن أعيش إذا لم تعد.»
يفشل مشروع، فيقول:
«لقد انتهيت. هذا يثبت أنني فاشل.»
هنا يصبح لدينا حدث مؤلم، ثم تفسير ومقاومة وخوف وتوقعات تضاعف أثره.
قد لا نستطيع دائمًا منع الألم الأول، لكننا نستطيع أحيانًا أن نخفف ما نبنيه فوقه.
هل القبول يعني الاستسلام؟
كلمة «القبول» تُفهم أحيانًا بطريقة خاطئة.
قد يبدو القبول وكأنه استسلام أو ضعف أو دعوة إلى تحمل كل شيء بصمت.
لكن القبول النفسي لا يعني أن تقول:
«كل ما يحدث جيد.»
بل يعني ببساطة:
«هذا هو ما يحدث الآن، سواء أحببته أم لم أحبه.»
وهذه نقطة مختلفة تمامًا.
يمكنني أن أقبل حقيقة أنني فقدت عملي، وفي الوقت نفسه أبحث عن عمل جديد.
يمكنني أن أقبل أن شخصًا لا يحبني، وفي الوقت نفسه أقرر الابتعاد عنه.
يمكنني أن أقبل وجود ظلم، وفي الوقت نفسه أقاومه.
فالقبول يتعلق برؤية الواقع كما هو قبل اتخاذ القرار بشأنه.
أما الإنكار فيجعلنا نحارب حقيقة أصبحت موجودة بالفعل.
ولا يمكن تغيير الواقع إلا بعد رؤيته.
أكبر وهم: السيطرة
لعل أحد أكثر الأوهام إغراءً في حياتنا هو الاعتقاد بأننا نستطيع التحكم في عدد من الأشياء أكبر بكثير مما نستطيع فعلًا.
نستطيع أن نختار أفعالنا، لكننا لا نضمن نتائجها.
نستطيع أن نعبر عن مشاعرنا، لكننا لا نحدد استجابة الآخرين.
نستطيع أن نخطط للمستقبل، لكننا لا نملكه.
نستطيع أن نقدم أفضل ما لدينا، لكننا لا نستطيع إجبار الحياة على مكافأتنا بالطريقة التي نتوقعها.
وربما يكون النضج النفسي مرتبطًا إلى حد بعيد بمعرفة هذا الحد الفاصل:
ما الذي يقع تحت سيطرتي، وما الذي لا يقع تحتها؟
كلما حاول الإنسان السيطرة على ما لا يمكن السيطرة عليه، استنزف نفسه.
وكلما تخلى عن مسؤوليته تجاه ما يستطيع تغييره، أصبح القبول مجرد ذريعة للهرب.
الحكمة ليست في السيطرة على كل شيء، ولا في ترك كل شيء.
بل في معرفة الفرق.
نحن لا نرى العالم فقط… بل نضيف إليه قصتنا
الحدث الخارجي قد يكون واحدًا، لكن البشر لا يعيشونه بالطريقة نفسها.
كلمة نقد قد يراها شخص فرصة للتعلم، ويراها آخر إهانة، ويراها ثالث دليلًا على أنه غير محبوب.
الفعل واحد، لكن المعنى مختلف.
وهذا يكشف شيئًا مهمًا: نحن لا نتعامل فقط مع ما يحدث، بل مع القصة التي نرويها لأنفسنا عما يحدث.
قد يتأخر شخص في الرد على رسالة.
الواقعة بسيطة: لم يرد بعد.
لكن العقل يبدأ في الكتابة:
«إنه يتجاهلني.»
«لقد تغير.»
«ربما قلت شيئًا أغضبه.»
«لم أعد مهمًا بالنسبة إليه.»
وفي دقائق قليلة يتحول غياب الرد إلى رواية كاملة، ثم نتألم بسبب الرواية وكأنها حقيقة مؤكدة.
لذلك قد يكون من المفيد أحيانًا أن نسأل أنفسنا:
ما الذي أعرفه فعلًا، وما الذي أضفته أنا إلى الحدث؟
هذا السؤال وحده قد يفصل بين الواقع وبين التفسير الذي صنعناه له.
الحياة بين الرغبة والقبول
لا يمكننا أن نتخلص من الرغبة، وربما لا ينبغي لنا ذلك.
الرغبة تدفعنا إلى التعلم والحب والبناء والتغيير.
ومن دونها قد تصبح الحياة بلا اتجاه.
لكن ربما نحتاج إلى نوع مختلف من الرغبة:
أن نريد الأشياء دون أن نجعل وجودنا متوقفًا عليها.
أن نخطط دون أن نعتقد أن المستقبل مدين لنا بتنفيذ خطتنا.
أن نحب دون أن نعتقد أننا نملك الآخر.
أن نحاول تغيير ما نستطيع، دون أن نحول كل ما لا نستطيع تغييره إلى عدو.
أن يكون لدينا أمل، ولكن ليس عقدًا سريًا مع الحياة.
في النهاية
ربما لا تأتي معاناتنا دائمًا من أن العالم سيئ أو من أن الآخرين خذلونا، بل أحيانًا من المسافة بين العالم كما هو والعالم كما قررنا أنه ينبغي أن يكون.
نحن نحتاج إلى الأحلام، لكننا نحتاج أيضًا إلى المرونة حين لا تتحقق.
نحتاج إلى التوقع، لكن دون أن يصبح التوقع يقينًا.
نحتاج إلى محاولة التأثير في الآخرين، لكن دون وهم امتلاكهم.
ونحتاج، قبل كل شيء، إلى التمييز بين القبول والاستسلام.
فالقبول لا يعني أن نتوقف عن تغيير حياتنا.
بل قد يعني العكس تمامًا:
أن نتوقف عن إهدار طاقتنا في مقاومة حقيقة موجودة بالفعل، لكي نستخدم هذه الطاقة في السؤال الأهم:
الآن بعد أن أصبح الواقع هكذا… ماذا أستطيع أن أفعل؟
ولعل قدرًا كبيرًا من السلام يبدأ من هذه اللحظة: حين نتخلى عن مطالبة الحياة بأن تكون كما تخيلناها، ونبدأ في التعامل معها كما هي.

