«الواقع هلوسة مسيطر عليها». هي عبارة ترتبط خصوصًا بعالم الأعصاب البريطاني أنيل سيث، وتُستخدم لتبسيط بعض الأفكار الحديثة حول كيفية عمل الدماغ والإدراك.
لكن هذه العبارة، على جاذبيتها، يمكن أن تؤدي إلى سوء فهم كبير. فهل يعني ذلك أن العالم الذي نراه غير موجود؟ وهل الشجرة والحجر والإنسان مجرد هلوسات داخل أدمغتنا؟ أم أن المقصود شيء آخر؟
لفهم المسألة ينبغي أولًا التمييز بين الواقع نفسه وبين إدراكنا للواقع
.
الواقع ليس هلوسة
عندما نقول في اللغة العادية إن شخصًا «يهلوس»، فنحن نعني أنه يرى أو يسمع شيئًا لا يوجد له موضوع خارجي مطابق. فقد يسمع شخص صوتًا بينما لا يوجد أحد يتكلم، أو يرى شيئًا غير موجود أمامه.
بهذا المعنى، من غير الدقيق أن نقول إن رؤيتنا العادية للعالم هلوسة.
عندما أنظر إلى شجرة أمام منزلي، فهناك بالفعل شيء خارجي يؤثر في حواسي. الضوء المنعكس عن الشجرة يصل إلى عيني، وتتحول هذه المؤثرات إلى إشارات عصبية يعالجها الدماغ. وجود الشجرة ليس اختراعًا ذهنيًا لمجرد أن الدماغ يشارك في عملية رؤيتها.
إذن العالم الخارجي موجود، والإدراك الطبيعي مرتبط بهذا العالم ومقيَّد به.
ولكننا لا نستقبل العالم بصورة جاهزة
هنا تبدأ الفكرة المهمة التي يريد علماء الأعصاب التعبير عنها.
العين ليست نافذة يدخل منها العالم إلى الدماغ كما هو. ما يصل إلى العين هو ضوء، وما ينتقل عبر الأعصاب هو نشاط كهربائي وكيميائي. ثم يقوم الجهاز العصبي بمعالجة هذه المعلومات بطريقة شديدة التعقيد، حتى تتكون لدينا تجربة واعية لعالم مليء بالأشكال والألوان والحركة والعمق.
فعندما ترى تفاحة حمراء، لا تدخل «التفاحة» إلى رأسك، ولا ترسل العين إلى الدماغ رسالة مكتوبًا عليها: «هذه تفاحة حمراء».
بل تصل مجموعة من المؤثرات الفيزيائية، ثم يعالجها الدماغ ويستفيد من الخبرة والذاكرة والسياق حتى تتكون لديك خبرة واضحة: هذه تفاحة.
ومن هنا يمكن القول إن الإدراك ليس مجرد استقبال سلبي للمعلومات، بل هو عملية بناء ومعالجة وتفسير.
أين يأتي دور التوقع؟
يستعمل الدماغ باستمرار معلومات سابقة لكي يفهم المعلومات الجديدة بسرعة.
لو رأيت شكلًا طويلًا ملتويًا في أرض مظلمة، فقد يخطر لك أنه ثعبان. ليس لأن الدماغ خلق ثعبانًا حقيقيًا أمامك، بل لأن المعلومات البصرية المتاحة في تلك اللحظة غير كافية، فيستعين الدماغ باحتمالات مستمدة من الخبرة والسياق.
وعندما يزداد الضوء وتقترب من الشيء، ترى أنه حبل.
في هذه الحالة كان الحبل موجودًا منذ البداية. الذي تغير لم يكن الواقع، وإنما كمية المعلومات المتاحة لك ومدى صحة تفسيرك لها.
ولهذا يجب الحذر من القول إن الإنسان لا يرى إلا «تخمينات دماغه». فالدماغ قد يتوقع، نعم، لكن هذه التوقعات تخضع باستمرار لاختبار المعلومات القادمة من الحواس.
الحبل حبل فعلًا، مع أنه مكوّن من ذرات
قد يقول شخص: «لكن عندما أرى الحبل فأنا أراه على حقيقته، إنه حبل بالفعل.»
وهذا صحيح.
كون الإدراك عملية عصبية لا يعني أن كل ما ندركه وهم.
كما أن قولنا «هذا حبل» لا يتعارض مع قول الفيزيائي إن الحبل مكوّن من جزيئات وذرات. فهما وصفان للشيء نفسه على مستويين مختلفين.
يمكن أن نقول:
هذا حبل.
ويمكن أن نقول:
هذا جسم مكوّن من مواد ذات تركيب جزيئي وذري معين.
ولا يلغي أحد الوصفين الآخر.
وكذلك عندما نصف شيئًا بأنه «شجرة»، فنحن لا نقع في وهم لمجرد أننا لا ندرك في اللحظة نفسها كل خلية وجزيء وذرة موجودة فيها.
المعرفة لا تقتضي أن ندرك جميع مستويات الشيء في آن واحد.
فلماذا استُعملت كلمة «هلوسة»؟
هنا تكمن المشكلة الأساسية في العبارة.
عندما يصف أنيل سيث الإدراك بأنه نوع من «الهلوسة المسيطر عليها»، فهو يستخدم كلمة «هلوسة» بمعنى واسع ومجازي، لكي يؤكد أن التجربة الواعية لا تأتي جاهزة من الخارج، بل يساهم الدماغ في تكوينها.
أما كلمة «مسيطر عليها» فالمقصود بها أن هذه العملية ليست حرة أو اعتباطية، لأن المعلومات الحسية القادمة من العالم تقيّد ما يستطيع الدماغ أن يبنيه.
لكن إذا استخدمنا كلمة «هلوسة» بمعناها الشائع، تصبح العبارة مضللة.
فالفرق بين الإدراك الطبيعي والهلوسة الحقيقية فرق أساسي:
في الإدراك الطبيعي، يوجد عادة موضوع خارجي يؤثر في الحواس، ويعمل الدماغ على إدراكه.
أما في الهلوسة، فتظهر خبرة إدراكية دون وجود المؤثر الخارجي المناسب الذي يفسرها.
لذلك لا ينبغي أن نمحو الفرق بين الحالتين لمجرد أن الدماغ يؤدي دورًا في كلتيهما.
هل اللون موجود في العالم أم في الدماغ؟
هنا تصبح المسألة أكثر إثارة.
عندما نقول إن التفاحة حمراء، يوجد في العالم الخارجي سطح له خصائص فيزيائية معينة تجعله يعكس أطوالًا موجية من الضوء بطريقة معينة. لكن الإحساس الواعي بالأحمر هو تجربة تحدث في جهازنا العصبي.
وهذا لا يعني أن اللون «وهم» بالمعنى البسيط للكلمة.
إنه نتيجة علاقة بين خصائص الأشياء والضوء والجهاز البصري والدماغ.
وبالمثل، فإن الصوت الذي نسمعه يرتبط بتغيرات وضغوط في الوسط الفيزيائي، لكن التجربة التي نسميها «صوتًا» تتكون لدى الكائن الذي يمتلك جهازًا سمعيًا قادرًا على تحويل تلك التغيرات إلى تجربة واعية.
إذن إدراكنا للعالم ليس نسخة فوتوغرافية بسيطة منه، ولكنه أيضًا ليس خيالًا منفصلًا عنه.
بين الواقعية والوهم
المشكلة في العبارات المثيرة مثل «الواقع هلوسة» أنها تدفعنا بسهولة إلى أحد تطرفين.
الأول هو الاعتقاد بأننا ندرك العالم كما هو بصورة مباشرة وكاملة، وأن الدماغ مجرد جهاز تسجيل.
والثاني هو الاعتقاد بأن كل شيء وهم وأننا سجناء داخل عالم اخترعته أدمغتنا.
والأقرب إلى ما نعرفه علميًا يقع بين الاثنين.
هناك عالم خارجي مستقل عنا، لكنه يصل إلينا بواسطة أجهزة حسية وعصبية لها طبيعة وحدود معينة.
نحن لا نمتلك اطلاعًا مباشرًا على كل تفاصيل الواقع، لكن هذا لا يعني أننا منفصلون عنه.
الحواس نفسها نشأت وتعمل لأنها تستطيع التقاط جوانب حقيقية من البيئة المحيطة بنا. فإذا كان الإنسان عاجزًا تمامًا عن التمييز بين الصخرة والفراغ، أو بين الطعام والسم، أو بين الحيوان المفترس والشجرة، لما استطاع البقاء أصلًا.
الصياغة الأدق
بدل العبارة:
«الواقع هلوسة مسيطر عليها.»
يمكن استعمال صياغة أقل إثارة وأكثر دقة:
إدراكنا للواقع تمثيل يبنيه الدماغ اعتمادًا على المعلومات التي يتلقاها من عالم خارجي حقيقي.
أو بصورة أبسط:
نحن لا نخترع الواقع، لكن أدمغتنا هي التي تحوّل إشاراته إلى التجربة التي نعيشها.
بهذا نحافظ على الاكتشاف المهم الذي جاءت به علوم الأعصاب، وهو أن الإدراك عملية نشطة ومعقدة، دون أن نستنتج من ذلك أن العالم وهم أو أن الأشياء الموجودة حولنا مجرد هلوسات.
خلاصة
القول إن «الواقع هلوسة مسيطر عليها» مفيد ربما كعبارة صادمة تجذب الانتباه، لكنه يحتاج إلى تفسير حتى لا يتحول إلى ادعاء فلسفي أكبر مما تسمح به الأدلة العلمية.
الواقع ليس هلوسة.
هناك عالم خارجي يؤثر في حواسنا، ونحن جزء منه.
لكن ما نراه ونسمعه ونشعر به يمر عبر جهاز عصبي لا ينسخ العالم نسخًا آليًا، وإنما يعالج المعلومات ويجمعها ويقارنها بالخبرة السابقة ويكوّن منها تجربتنا الواعية.
والتمييز بين الأمرين ضروري:
الشيء الموجود في الخارج شيء، وتجربتنا الواعية لذلك الشيء شيء آخر مرتبط به.
ولعل هذه الصياغة أقل إثارة من عبارة «الهلوسة المسيطر عليها»، لكنها أقرب إلى الدقة: نحن لا نعيش داخل هلوسة، بل ندرك عالمًا حقيقيًا من خلال دماغ بشري له طريقته الخاصة في تمثيله.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire